فخر الدين الرازي
22
تفسير الرازي
قال الزمخشري على ما هو مذهبه عليه عقلاً ، فإن من الحكمة الجزاء ، وذلك لا يتم إلا بالحشر ، فيجب عليه عقلاً الإعادة ، ونحن لا نقول بهذا القول ، ونقول فيه وجهان الأول : عليه بحكم الوعد فإنه تعالى قال : * ( إنا نحن نحيي الموتى ) * ( يس : 12 ) فعليه بحكم الوعد لا بالعقل ولا بالشرع الثاني : عليه للتعيين فإن من حضر بين جمع وحاولوا أمراً وعجزوا عنه ، يقال : وجب عليك إذن أن تفعله أي تعينت له . المسألة الثانية : قرىء : * ( النشأة ) * على أنه مصدر كالضربة على وزن فعلة وهي للمرة ، تقول : ضربته ضربتين ، أي مرة بعد مرة ، يعني النشأة مرة أخرى عليه ، وقرئ النشأة بالمد على أنه مصدر على وزن فعالة كالكفالة ، وكيفما قرىء فهي من نشأ ، وهو لازم وكان الواجب أن يقال : عليه الإنشاء لا النشأة ، نقول فيه فائدة وهي أن الجزم يحصل من هذا بوجود الخلق مرة أخرى ، ولو قال : عليه الإنشاء ربما يقول قائل : الإنشاء من باب الإجلاس ، حيث يقال في السعة أجلسته فما جلس ، وأقمته فما قام فيقال : انشاء وما نشأ أي قصده لينشأ ولم يوجد ، فإذا قال : عليه النشأة أي يوجد النشء ويحققه بحيث يوجد جزماً . المسألة الثالثة : هل بين قول القائل : عليه النشأة مرة أخرى ، وبين قوله : عليه النشأة الأخرى فرق ؟ نقول : نعم إذا قال : عليه النشأة مرة أخرى لا يكون النشء قد علم أولاً ، وإذا قال : * ( عليه النشأة الأخرى ) * يكون قد علم حقيقة النشأة الأخرى ، فنقول ذلك المعلوم عليه . ثم قال تعالى : * ( وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى ) * . وقد ذكرنا تفسيره فنقول : * ( أغنى ) * يعني دفع حاجته ولم يتركه محتاجاً لأن الفقير في مقابلة الغني ، فمن لم يبق فقيراً بوجه من الوجوه فهو غني مطلقاً ، ومن لم يبق فقيراً من وجه فهو غني من ذلك الوجه ، قال صلى الله عليه وسلم : " أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم " وحمل ذلك على زكاة الفطر ، ومعناه إذا أتاه ما احتاج إليه ، وقوله تعالى : * ( أقنى ) * معناه وزاد عليه الإقناء فوق الإغناء ، والذي عندي أن الحروف متناسبة في المعنى ، فنقول لما كان مخرج القاف فوق مخرج الغين جعل الإقناء لحالة فوق الإغناء ، وعلى هذا فالإغناء هو ما آتاه الله من العين واللسان ، وهداه إلى الارتضاع في صباه أو هو ما أعطاه الله تعالى من القوت واللباس المحتاج إليهما وفي الجملة كل ما دفع الله به الحاجة فهو إغناء ؛ وكل ما زاد عليه فهو إقناء . ثم قال تعالى : * ( وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى ) * . إشارة إلى فساد قول قوم آخرين ، وذلك لأن بعض الناس يذهب إلى أن الفقر والغنى بكسب الإنسان واجتهاده فمن كسب استغنى ، ومن كسل افتقر وبعضهم يذهب إلى أن ذلك بالبخت ، وذلك بالنجوم ، فقال : * ( هو أغنى وأقنى ) * وإن قائل الغنى بالنجوم غالط ، فنقول هو رب النجوم وهو محركها ، كما قال تعالى : * ( هو رب الشعرى ) * وقوله : * ( هو